وكالة غوث اللاجئين: أيام سوداء - عدس بالسوس المقرقش والصابون يفقس قمل

الحلقة الأولي

الحلقة الثانية: أيلول الأسود: من موروث الثورة الفلسطينية ولا تدرسه المناهج التعليمية

لا أذكر الكثير من ذكريات طفولتي البائسة ما بين عام 1968 ونهاية عام 1970, ولكني أذكر دموع أمي وصلواتها ودعائها لأخوالي في النجاة

DSC_0018وأذكر جيدا نصائح والدي لنا بأن لا نزعج أمي في شيء
هناك أمر ما يجري من حولنا, لم نكن نفهمه كأطفال, ومع هذا كنا نحس به بعد سرق منا إهتمام امنا في طفولتنا الحزينة

كانت أمي تواصل الليل والنهار باكية, وتطلب منا أن نذهب لنلهو في الحقل الصغير المجاور للبيت. كنا ننثر التراب على ملابسنا وشعرنا ونجمع الفراشات ونقطف الثمار قبل نضوجها, ونعود للبيت جياع متعبين دون أن تعيرنا امي أدنى اهتمام

فقلما فكرت أمي في الطبخ لنا وإعداد وجبات البطاطا او العدس الممزوج بحشرات السوس الميت الذي تقدمه لنا وكالة غوث اللاجئين كوجبة غذاء أساسية منذ ما بعد النكبة واحتلال اسرائيل للضفة الغربية

 وكان والدي وحده من يقدم لنا وجبة الطعام. قطعة من الخبز الناشف وعليها بعض الحلوى المصنوعة من العنب (عنبية وهي نوع من المربى “التطلي”) الذي كانت تعده أمي في نهاية فصل صيف من كل عام ونحتفظ به في علب زجاجية كوجبة غذاء طوال العام

كنت لا أحب أكل هذا النوع من الحلوى لكثرة تناولي وأخوتي الصغار لها, وافضل شرب كأس الشاي أو أكل عصير العنب (الدبس) الممزوج مع نوع من الزيت سيء الطعم الذي كنا نحصل عليه من وكالة الغوث ويصيبنا الغثيان لدى تناوله

كل شىء قدمته لنا وكالة الغوث “كإغاثة إنسانية” كان فاسدا أو منتهي الصلاحية

الطحين كان مليئا بالدود ولونه يميل للسواد وطعمه مر

والتمر كان مليئا باعشاش الحشرات الحية – الدود والبيض

والزيت كان يصيبنا بالدوخة (اي وجع الرأس) والغثيان لدى تناوله

والسكر كان عبارة عن نوع من الحجارة ذات اللون البني الملىء يالأوساخ والشعر

والبيض المسلوق كان بلون أسود ونكهة تنبعث منها روائح كريهة

الصابون فكان يفقس قمل وسيبان ويقال أنه كان يصنع من دهن حيوان الخنزير بطريقة سيئة للغاية

أما صرة الملابس القديمة المستعملة وغير المعقمة, أي (البوقجة) التي كانت تقدمها وكالة الغوث في المناسبات الخاصة, ولبعض الأسر المحظوظة بعد تقديم طلبات التذلل والتسول على أبواب مكاتبها, فهي عبارة عن بطاطين جنود ملوثة وقذرة, وملابس مرضى وموتى قديمة, أدت إلى إنتشار مزيد من الأمراض الجلدية والأوبئة بين اللاجئين

ومع هذا كان الجميع ينتظر بفارغ الصبر موعد توزيع هذه المعونات الفاسدة, ويتسابقون من أجل إستلامها, حتى أؤلئك من غير اللاجئين سجلوا أنفسهم لاجئين حبا في العدس والفول والسوس المقرقش وطحين الذرة وكيلو السكر والصابون الذي يفقس قملاّ!! وكانت أمي تفعل مثل هؤلاء الناس وتأتينا بمعونات الوكالة التي تمن بها دول العالم علينا كلاجئين

عشنا طفولة بائسة بعد أن سرقت عصابات الهجانا والبلماخ … التي وصلت متسللة إلى فلسطين أرض آبائنا وأجدادنا

لا أحد يمكن له أن بعوضنا عن تلك الأيام السوداء التي عشناها

الجوع والعطش والبرد والفقر والقمل وتناول الأطعمة الفاسدة

لقد أرتكبت الأمم المتحدة ووكالة غوث اللاجئين جرائما بحقنا

أرتكبت جرائما في كل ما قدمته لنا من معونات, لا تقل معاناتها عن نكبتنا

وعلى هذه المؤسسة الدولية ان تعوضنا عن هذه الذكريات المريرة المخزونة في ذاكرتنا

وفي خضم هذه المعاناة – تغيرت أحوال أمي وأصبحت تهتم بالراديو الصغير أكثر منا ومن وجبة طعام وكالة الغوث, واصبح الراديو الصغير لا يفارق أذنيها. لم يكن في ذلك الوقت اجهزة تلفاز ولا حواسيب كما هو اليوم. وكنت أراى أمي باكية وهي تطلب من والدي مساعدتها قائلة: إختفى صوت (كل العرب)!! فيسرع والدي نحوها محاولا نجدتها, كان يحرك أزرار الراديو يمينا وشمالا فتنبعث منه اصوات مشوشة, كان يقول لها: هذا هو صوت إذاعة (مونت كارلو), وأحيانا أخرى كان يقول هذا هو صوت إذاعة كل العرب

أذكر هذه الكلمات جيدا تماما كما لو سمعتها بالأمس. كما أذكر أنني قد رفضت كثيرا الذهاب إلى الحقل حتى لا تضربني أخواتي الأكبر مني سنا

كنت أصر على البقاء جالسة في حضن أمي. وأستمع لما تستمع إليه, ولكني لم أكن افهم شيئا أو سبب بكاؤها

كان يتحدث الراديو حينا ويغني حينا آخر. سر البكاء في الحلقة القادمة – أنقر هنا

Advertising? Werbung? Click on the picture below. Klicken Sie auf das Bild unten. kawther [dot] salam [at] gmail [dot] com

Advertising? Werbung? Click on the picture below. Klicken Sie auf das Bild unten. kawther [dot] salam [at] gmail [dot] com

Related Books


Support this site by buying these books at Amazon. Thank you!


Österreich News

Der Stephansplatz

Johann Strauß

Volksgarten

Kurpark Oberlaa

Verbrechen in Israel

Add to Netvibes Creative Commons License