أيلول الأسود: من موروث الثورة الفلسطينية ولا تدرسه المناهج التعليمية

 الحلقة الثانية

Black Sep._edited-2في احد الأيام, أفاقتنا أمي في ساعات الليل, وأخذت تقبلنا وهي تحمل في يدها صرة صغيرة, كانت تبكي بمرارة, قالت أنها ذاهبة إلى عمان لزيارة أخوالي هناك. وطلبت من والدي الأهتمام بنا, وأوصتنا أن لا نقترب من بئر تخزين المياه في أرض (صبري) التي كان والدي يفلحها مقابل ثلث منتوجها

 سافرت أمي وتركتنا صغارا, لا أدري كم طال غيابها, ولكني أذكر أن والدي كان شديد الحرص على الإستماع للراديو بصوت منخفض طوال سفرها

وذات يوم سمعت جارنا (صلاح الجعبة, أبو سليم) يقول لأبي: “بان الملك حسين إرتكب مذابحا في المخيمات الفلسطينية في الاردن”. ولم أفهم في حينه معنى أقواله. ولكني أذكر بأن والدي قد ذهب للسوق وعاد يحمل راديو كبير بلون بني ومفاتيحه بيضاء

 وأذكر أنني وشقيقاتي فرحنا كثيرا في الراديو الكبير, وتسمرنا حوله من شدة الفرح. إلا أن والدي حذرنا من اللعب فيه حتى لا نقطع خيطه, قائلا أنه أشتراه بعشر قروش وانه يريد أن يقدمه هدية لأمي لدى عودتها من عمان

وعادت أمي بعد غياب, عادت هادئة ومبتسمة, ومعها بعض الحلوى وقماش يلمع, قالت أمي أن خالي إشتراه لنا هدية لسلامته. وقالت أنه قماش للعرايس وإسمه (رمشي عينيه), وانها ستعمل لنا منه فساتين في العيد عندما نكبر. وأذكر جيدا كم فرحت في قطعة القماش اللامعة, التي أحتفظت أمي بها داخل صندوق ملابسها (وعرسها) الخشبي

 وسمعت أمي تحدث أبي قائلة: (الله نجاهم من الموت, وطلعوا من المغارة والنيران فيها مشتعلة, رموا السلاح بعد ما حرقهم الجيش الأردني, حرقوهم وهم أحياء بعدما سلمهم اولاد الحرام للجيش, فحرقوهم جميعا, والله نجى أخوتي من الموت). ذبيحة لوجه الله تعالى

 هذه الكلمات سمعتها وانا طفلة, وما زلت أذكرها حتى تاريخ هذا اليوم. صحيح أنني لم افهم معانيها في ذلك الحين, ولكني عرفت بانها كلمات قالتها أمي في حرب ايلول الأسود. عرفت ذلك من أخوالي ممن نصحوني في الأبتعاد عن العمل الصحفي والسياسة

 وأيلول الأسود هو الاسم الذي يشار به إلى أحداث شهر أيلول من عام 1970. في هذا الشهر تحرك الجيش الأردني بناء على تعليمات الملك حسين ومستشاريه العسكريين لوضع نهاية لوجود المنظمات الفلسطينية التي بدأت تهدد النظام الملكي الأردني. فارتكب مجازرا دموية يندى لها الجبين. لقد ردم الجيش الأردني المخيمات الفلسطينية على رؤوس أهلها, فقتل ما قتل وأعتقل الشبان وطرد ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن

 قال لي أخوالي بان جميع من ألتقيهم في المؤتمرات الصحفية باسماء طنانة هم كاذبين ونصابين ومنافقين, وان أبو عمار وجورج حبش أفشوا عن أماكن تواجد المقاومة الفلسطينية في عمان, وان الجيش الأردني سكب المواد الحارقة وأحرق الميليشيا المسلحة وهم أحياء كما ما تحرق الحشرات

 أذكر أن أخوالي طلبوا مني أن أسأل أبو عمار كيف خرج من عمان في حرب أيلول الأسود؟؟؟ وما لون العباءة التي خرج بها, وهل إختفى فعلا في السفارة المصرية في عمان وخرج منها متخفيا مع بعثة الجامعة العربية بعد أن سلم وحرق رجال المقاومة؟؟؟

 ورغم حرص أمي واخوالي على عدم الخوض في التفاصيل حتى تاريخ هذا اليوم, إلا انني كنت أجبر أخوالي على قول بعض الشىء كلما زرت عمان لحضور مؤتمر صحفي هناك. كانوا يطلبون مني الأبتعاد عن لصوص الثورة الفلسطينية, وعن شىء إسمه منظمة التحرير. كانوا يقولون لي بان من التقيهم هم وحدهم من جاؤا في النكبات لفلسطين والشعب الفلسطيني, وهم وحدهم من تخلصوا من شرفاء الثورة وتسببوا في إعدامهم

 

Advertising? Werbung? Click on the picture below. Klicken Sie auf das Bild unten. kawther [dot] salam [at] gmail [dot] com

Advertising? Werbung? Click on the picture below. Klicken Sie auf das Bild unten. kawther [dot] salam [at] gmail [dot] com

Related Books


Support this site by buying these books at Amazon. Thank you!


Österreich News

Der Stephansplatz

Johann Strauß

Volksgarten

Kurpark Oberlaa

Verbrechen in Israel

Add to Netvibes Creative Commons License