الوجه الإنساني للسفير المصري خالد شمعة في فينا, واكتوبر تذكرني بطفولتي

شاءت الذكرى 38 عام 2011 لنصر أوكتوبر وهزيمة إسرائيل عام 1973 ان تجمعني في نفس المكان الذي تواجد فيه كل من السفير المصري الدكتور خالد شمعة والقنصل العام المستشار شريف لطفي والدكتور مصطفي التلبي وعدد من المقاتلين القدامى في حرب أوكتوبر العظيمة في احتفال ذكرى النصر الذي أقيم في مقر النادي المصري في فينا

وكنت قبل دقائق من هذا اللقاء قد شاهدت الدكتور شمعة الدبلوماسي السياسي المحنك لا يفوت فرصة للنقد الجريء الذي أدلى به الصحفي المصري سيد حجاب في ندوة “نصـــر أكتوبـــر, مغزى ومعنى” التي عقدت في المركز الثقافي المصري في فينا, حيث علق السفير شمعة باختصار مفيد على تصريحات الصحفي, الأمر الذي أثار الرضا لدى عدد من المستمعين

وشاهدت الحضور  بعد الجلسة الأولى من الندوة يلتفون حول السفير شمعة مصافحين ومرحبين بتسلمه مهام عمله الجديد كسفير لدولة مصر في النمسا

وقبل ذلك كنت قد شاهدت السفير شمعة في مقر الأمم المتحدة ممثلا لأكبر دولة عربية, يتحدث فيستمع إليه ممثلو الدول العظمى بكل هيبة واحترام, ويقول فيصوت الآخرون على أقواله ويتخذون قرارات مصيرية

قبل اسبوعين كان السفير الدكتور شمعة ممثل مصر لدى الأمم المتحدة ومؤسساتها الدولية, نجم مؤتمر الطاقة الذرية في مقر الأمم المتحدة إلى جانب وزير الكهرباء والطاقة الدكتور حسن يونس, وقد طوقتهما كاميرات الصحفيين من كل حدب وصوب. حيث تترأس دولة مصر مجموعة دول حركة عدم الانحياز في الوكالة حتى صيف عام 2012

واليوم شاهدت ممثل جمهورية مصر العربية السفير شمعة يجلس بكل تواضع بين أبناء شعبه في النادي المصري يتحدث ويضحك في ظل ضجيج مكبرات الصوت التي تبث مقاطعا من الغناء الشعبي لمصر إحتفالا في عيدها الوطني 38 لنصر أوكتوبر, الذي حققه الجيش المصري وهزم فيه جيش العدو الصهيوني “إسرائيل” مستردا اراضيه المغتصبة ومحررا لقناة السويس في أوكتوبر عام 1973

كان السفير يشرب كأسا من الشاي وفنجانا من القهوة العربية – وليس كأسا من الميلاش أو الأيس كافي, ويتجاذب أطراف الحديث والفكاهة مع عدد من القادة الميدانيين الحقيقيين في النمسا, ممن قادوا – دون خوف او تردد – المسيرات الجماهيرية دعما لثورة الخامس والعشرين من يناير التي تكللت بالنجاح والنصر العظيم. هؤلاء الأبطال ممن جلسوا مع السفير المصري في النادي المصري, هم بحق أحد أهم ركائز ودعائم الثورة المصرية في النمسا ممن هبوا لدعم الثورة المصرية الأم, وليس أؤلئك الذين برزوا فجأة للعيان يقطفون الثمار ما بعد نجاح الثورة. أولئك الأشخاص لم نشاهدهم في الساحة النضالية بل وقفوا بعيدا ينتظرون قطف الثمار

وتدور في الآونة الأخيرة في النمسا معركة ما يسمى ب – كسر العظم – بين ثلاثة أقطاب هم: أبطال التصريحات الإعلامية, (وهم اسيادكم في الجاهلية) من أصحاب البدلات السوداء وربطات العنق الملونة الذين أدلوا بتصريحاتهم المعادية للثورة في مختلف وسائل الأعلام النمساوية المحلية, والأجنبية الدولية والعربية في مختلف أقطار العالم, وبين أقطاب الثورة الحقيقين ممن أصروا على رفع علم مصر خفاقا فصرخوا في وجه الظلم والظلام, وبين الفئة الثالثة وهي الإتكالية التي طالما خافت على نفسها فانزوت بعيدا تنتظر قطف الثمار, فما ان اعلن نجاح الثورة حتى ظهروا على الشاشة والجمهور  في (لوك جديد), يقيمون ندوة هنا وأخرى هناك والله يشهد انهم متسلقون وان بينهم وبين الثورة المصرية والثوار بعد المشرق والمغرب

جلس السفير المصري بين مجموعة الشباب المصري ممن التقيتهم وعرفتهم ابطال سلام وحرية في ساحة شتيفانز بلاتز – التي لو كان لها لسان حال تنظق به – لقالت كلمة حق وشهدت على اندلاع ثورة 25 يناير التي تغلب دفئها على شدة البرد القارس وتساقط الثلوج في العاصمة النمساوية فينا. لا زلت أذكر كيف تخليت عن كاميرتي دعما لهؤلاء الشباب فغنيت لمصر في ظل تساقط الثلوج ودرجة حرارة ستة تحت الصفر

جلس السفير بين هؤلاء الشبان الأشاوس مازحا وضاحكا ومصغيا, وربما مستعيدا في ذاكرته التاريخية مالا أعرفه عن مصر الأبيه وثوراتها وشعبها وثوارها. وعلى بعد لا يزيد عن متر ونصف جلس القنصل العام المصري مع عدد من الأبطال ممن خاضوا غمار حرب أوكتوبر. كانوا يتجاذبون أطراف حديث شيق لا اعرف شيئا عن فحواه, هكذا تقول الصور التي وثقت الجلسات الوطنية الممتعة

لقد جلس السفير المصري لأول مرة على طاولة النادي المصري متوسطا الدكتور مصطفي التلبي والقنصل العام المصري. رحب السفير شمعة بالحضور معبرا عن سعادته الغامرة بينهم في مثل هذه المناسبة الجليلة والغالية على نفوس كل المصريين والعرب. ترأس السفير تسليم شهادات التقدير لمجموعة من محاربي  أوكتوبر, وبدا في قمة السعادة وهو يصافحهم ويتحدث اليهم. بعدها صافح جميع من تواجد في القاعة, واستمع وإياهم لوصلة من الغناء الوطني, ثم شاركهم تناول وجبة العشاء

وفي مشهد انساني رائع ترأس السفير المصري شمعة احتفال عيد ميلاد الطفلة الصغيرة ياسمين وائل عبد القادر, ذات الأعوام الخمسة. غنى للطفلة مع ألاخرين (هابي بيرث دي تو يو), وانحنى بشموخه أمام براءة طفولتها  وفرحتها في عيد ميلادها. تحدث اليها ملاطفا ومداعبا كأب حنون

لم يسبق ان شاهد السفير تلك الطفلة, ولكنه بعقله وقلبه ومشاعره يعرفها كل المعرفة – انها طفلة مصرية – وعليها وغيرها من الأطفال تنعقد آمال الوطن الجسام

إستمرت حفلة النادي المصري أحتفالا بنصر أوكتوبر حتي ساعات الصباح, وفيها صدح صوت الدكتور صفاء رومايا بحماس لمصر العربية

سعدت بمشاركتي إحتفال نصر أوكتوبر

في النادي المصري لا اشعر بالغربة, بل واشعر بالقرب من الجالية المصرية أكثر من قربي من الجالية الفلسطينية التي فرقتها الأنتماءات السياسية بدلا من ان توحدها فلسطين. وسعدت أكثر في استعادة الذاكرة لهزيمة المؤسسة الصهيونية او من يسميها الآخرون ب “دولة إسرائيل” التي أحلم بان لا أراها في أرضي, وارض اجدادي, وأجداد أجدادي أجداد … فلسطين

لا زلت اذكر حرب أوكتوبر التي أصابت المؤسسة الصهيونية بحالة من الهلع والهستيريا من شدة الخوف. اعتقدوا آنذاك ان الجيشين المصري والسوري في طريقهما لإستعادة جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. فدفعوا بتعزيزات عسكرية مكثفة إلى كل مدينة فلسطينية وقرية ومخيم. واقاموا مواقعا عسكرية فوق أسطح المنازل. وأعادوا انتشارهم في الشوارع الرئيسية. اقاموا موقعا عسكريا فوق مطبخ و(مرحاض) منزلنا – الخارجي المطلان مباشرة على الشارع الرئيسي يئر السبع. واقاموا مواقعا أخرى على منازل الجيران –  كنا نقيم في منزل مكون من غرفتين وصالة. وكانت المرافق العامة لمنزلنا خارجية, ولا أدري لماذا كانت المرافق المنزلية تقام خارج البيوت – ربما من أجل ان أكون شاهدة في طفولتي على جزء من أحداث التاريخ!! النكسة وما تلاها من أحداث نصر أوكتوبر

كنا نقيم في شارع الحاووز – بئر السبع – وهو شارع عسكري يوصل جنوب الضفة الغربية مع قطاع غزة. وهو الشارع الذي شاهدت فيه أنسحاب رتل من آليات قوات الجيش الأردني  عام 1967 – دون خوضها غمار الحرب مع إسرائيل, لقد انسحبت الآليات المصفحة قبل دخول آليات قوات الإحتلال الإسرائيلي – إلى مدينة الخليل. كان عمري أنذاك ست سنوات

وكان لدينا حقلا مستاجرا من صبري الشرباتي (يتيم يكفله عمه ابو فايز). وكان الحقل مشجرا بالمشمش واللوز والتين (الرزي والشحامي والنعيمي والموازي) والكرز الأحمر والأصفر والشامي, والبرقوق المروح الأحمر والبرقوق الأصفر والبنجري وبز بنت الملك, والأجاص الأصفر, والنجاص  الأحمر, والعنب البيروتي والحلواني, والجوز, وتتوسطة مغارة او (طور) كان يستخدمها اصحاب السبيل لقضاء الحاجة ونحن نيام. ويشهد الله على صحة ما اقول

أذكر جيدا أيام النكسة كيف شاهدت رتلا من المصفحات العسكرية الأردنية وهي ترحل عن مدينة الخليل. لا أذكر انني سمعت إطلاق نار أو رصاصة واحدة في ذلك الحين, بل وأذكر جيدا انني لهوت مع شقيقتي (سهلية ومكرم) لعبة الحرب, وكانت حينها قوات الأحتلال قد دخلت من الجنوب من بلدة السموع والظاهرية. وكانت جارتنا سهام (العزباء العانس) تقص على أمي روايات من الخيال حول إسقاط مروحية برصاص المقاومة في بلدة السموع. في حين كانت شقيقتي تقوم بتمثيل دور الطائرة فتلقي بالقلاع من فوق المغارة, فكسرت جذعا من شجرة المشمش الأخضر الغير ناضج, وقد ضربتها أمامي عقابا لها

وأذكر انني شاهدت جنودا تحدثوا مع أمي بالعربية طالبين منها بعض الملابس النسوية من أجل ارتدائها, إلا انها رفضت ان تعطيهم شيئا, وقالت: روحوا داهية تأخذكم

واذكر جيدا ما جري بعد رحيل القوات الأردنية عندما ذهبت أمي الى الفرن تحمل على رأسها العجين, حيث استوقفها في طريق عودتها بالخبز إلى المغارة جندي دعت عليه أمي بقولها (روح الله يكسرك). أخذ الجندي من أمي رغيفين من الخبز الساخن – سرقوا لقمة خبزنا سويا مع ارضنا – ومنحها قطعتين من النقود ذات البريق الأصفر اللامع التي أخذتها لألهو بها. وعرفت فيما بعد ان القطعة الواحدة تعادل (تعريفة من العملة الأردنية اي ما يعادل سنت من عملة اليورو

واذكر كيف جاءت شقيقتي الى المغارة وهي تحمل منشورا قالت ان ابو محمد الشرباتي (رحمه الله) طلب منها ان تقرا له ما جاء فيه. فقد القى الأحتلال ألإسرائيلي من طائراته بمنشورات في الشوارع تدعوا الفلسطينيين إلى ألإستسلام ورفع الرايات البيضاء وتحذر من المقاومة. وسمعت شقيقتي وهي تقرأ المنشور ب (تأتأة) وصعوبة بالغة. ومع هذا توقف ابو محمد وجارتنا سهام وأمي حولها يستمعون الى (تأتأتها) في تلاوة بيان الإستسلام

وأذكر بان جارنا ابو محمد الشرباتي وجارنا الحاج ذياب الجعبة والحاج نايف عمرو, وعبد شاكر (رحمة الله عليهم جميعا) قد توعدوا بمواصلة النضال ببارودة مصدية – عجيبة وغريبة لم أشاهد مثلها في حياتي. كانت بواريد مدفونة تحت الأرض منذ عهد الأنتداب البريطاني. اما الرصاص الذي اطلقه هؤلاء الجيران فكان – مبرد ومش نافع – ودخان من غير نار وفقا لأقوال والدي رحمه الله عليه

في حرب أوكتوبر كان عمري 12 عاما. وأذكر جيدا كيف شاهدت جنود الإحتلال الإسرائيلي وهم يتخذون من سطح (حمام منزلنا) موقعا عسكريا لهم . كان يلتصق الجنود  بجهاز اللاسلكي الذي يبث توجيهات غرفة العمليات العسكرية الإحتلالية إستعدادا لأي مواجهة محتملة او اي دخول للقوات المصرية والسورية من شارع بئر السبع. وكان الجنود لا يرفعون جهاز الراديو الصغير عن آذانهم. فيما كان جهاز اللا سلكي يشوش على نشرات الأخبار في الراديو الصغير داخل منزلنا, فلا يستطيع والدي الإستماع الى نشرت اخبار حرب اوكتوبر

آنذاك كنت طفلة يافعة ولم أكن صحفية توثق بالصوت والصورة ما يجري أمامها. وكنت استعين بأمي بان تتوقف على بوابة الحمام كلما ذهبت إليه. كنت اخاف جنود الأحتلال (والغولة) التي طالما سمعت عنها في القصص الوهمية الخيالية التي حدثنا عنها أباؤنا بدلا ان يحدثونا عن قصص السندريلا

وفي الصباح كنت اقول لجنود الأحتلال (شالوم). كنت طفلة شقية. هكذا كانت تسميني أمي. وكان الجنود يردون علي بالعبرية. علمت فيما بعد بانهم كانوا يشتمون أمي بعبارات قبيحة ردا على (شالومي). طلب زوج أختي من أمي أن تمنعنا من (الشولمة) مع الجنود حفاظا على كرامتنا. قال ان جنود الإحتلال مستفزون للغاية بسبب حرب أوكتوبر التي يخوضها الجيش المصري والسوري وانهم يتوقعون الأسوا في ألأيام المقبلة


Austrian Flag
Bild aus dem Parlament
000_5151A
000_2207A

Advertising? Werbung? Click on the picture below. Klicken Sie auf das Bild unten. kawther [dot] salam [at] gmail [dot] com

000_8696b_edited-1

Advertising? Werbung? Click on the picture below. Klicken Sie auf das Bild unten. kawther [dot] salam [at] gmail [dot] com

Related Books


Support this site by buying these books at Amazon. Thank you!

000_4195A
000_4229A
000_1418A
Der Stephansplatz

Der Stephansplatz

Johann Strauß

Johann Strauß

000_8728

Volksgarten

Nikon (57)

Kurpark Oberlaa

000_2638A

Verbrechen in Israel

Add to Netvibes Creative Commons License